راقبت عن كثب ومثل الكثير من التنفيذين العاملين في قطاع الأعمال والاستثمار التحولات الاقتصادية المتسارعة طوال عام 2025. ومن الطبيعي أن يكون للتوترات العالمية المتصاعدة، إضافة إلى احتمالية ارتفاع الأسعار، تأثير ملموس على ثقة المستثمرين التي شهدت تقلبات متكررة على مدار العام.
ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن التأثير على منطقة الشرق الأوسط بقي محدود نسبياً على الصعيد العالمي، إذ تم تثبيت التعريفات الجمركية الأمريكية على كل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية عند 10% فقط، وهي نسبة أقل بكثير مقارنة بدول أخرى.
وعلى عكس الاضطرابات التي تشهدها الأسواق الغربية، بقيت منطقة الشرق الأوسط بمنأى نسبي عن التأثيرات الخارجية. ففيما يتعلق بالرسوم الجمركية أو النزاعات التجارية، يسود نهج "العمل كالمعتاد" في أنحاء المنطقة، وهو ما يتضح في استمرار تدفق رؤوس الأموال الإقليمية نحو الأسواق الخاصة.
وتبرز صناديق الثروة السيادية والمكاتب العائلية كمحرك أساسي للسيولة، إذ تواصل عملها بثبات، مستثمرة رأس المال بنشاط مستمر، غالباً ضمن أطر زمنية أطول، وبقدرة أكبر على تحمل نقص السيولة مقارنة بالجهات الأخرى.
من منظور أوسع، تمنح ظروف السوق في الشرق الأوسط مرونة لمديري الاستثمارات الإقليميين للاستفادة من الاضطرابات العالمية. عملياً، قد يشمل ذلك الاستحواذ على أصول متعثرة، أو المشاركة في أدوات الاستمرارية، أو تقديم حلول سيولة للشركاء الدوليين. وفي هذا الإطار، يمكن لمستثمري المنطقة أن يضطلعوا بدور محوري في تعزيز الاستقرار ضمن منظومة الأصول الخاصة على المستوى العالمي.
تبرز تحديات أخرى على الصعيد الدولي، حيث يواجه مديرو الأصول الخاصة صعوبات كبيرة في التخارج من الاستثمارات وسط بيئة يطغى عليها النزاعات التجارية، والتوترات الجيوسياسية، والضغوط التضخمية، بالإضافة إلى محدودية التمويل. وبشكل أوضح، أصبحت وسائل التخارج التقليدية مثل الاكتتابات العامة الأولية، والمبيعات الاستراتيجية، وعمليات الاستحواذ الثانوية، أقل فعالية، ما اضطر المديرين إلى إعادة تقييم استراتيجيات السيولة وتوقعات المستثمرين.

خليل مسعود
الرئيس التنفيذي للاستثمار في ألفا ظبي القابضة
وتواجه شركات الاستثمار الخاص، لا سيما في الولايات المتحدة وأوروبا، أزمة سيولة حادة. فقد أدت زيادة أسعار الفائدة إلى تراجع تقييماتها، بينما دفع التضخم وعدم اليقين الجيوسياسي المشترين إلى مزيد من الحذر. هذا وقد سببت التوترات التجارية والتشتت التنظيمي تعقيد المعاملات العابرة للحدود. ونتيجة لذلك، اضطر العديد من مديري الاستثمارات إلى بيع أصولهم إلى جهات راعية أخرى، غالباً بتقييمات منخفضة، من أجل إعادة رأس المال إلى المستثمرين.
يتفاقم هذا الضغط نتيجة شحّ التمويل، إذ بدأ الشركاء المحدودون، الذين يواجهون تأخرًا في التوزيعات ونقصًا في السيولة، يترددون بشكل متزايد في الالتزام بصناديق جديدة. وفي هذا السياق، برزت آلية إعادة تدوير رأس المال عبر أدوات الاستمرارية كحل بديل شائع، إذ تتيح للشركاء العامين تمديد عمر الأصول عالية الجودة، مع توفير سيولة جزئية للمستثمرين الحاليين.
ولم تعد صناديق الاستمرارية مجرد تخصص محدود، بل تحولت إلى أداة أساسية لإدارة استحقاقات المحفظة وسيولة المستثمرين. فهي تتيح للشركاء العامين إعادة هيكلة الأصول ضمن هياكل جديدة، غالبًا بمشاركة مشترين ثانويين، مع منح الشركاء المحدودين خيار سحب الأموال أو إعادة استثمارها. ورغم أنها لا تمثل خروجًا كاملًا، فإنها توفر متنفسًا مهمًا في سوق نادرًا ما يتوافر فيه الوقت والفرص.
وباتت آليات الخروج الإبداعية تكتسب زخماً متزايداً، حيث باتت تنتشر عمليات اندماج شركات المحفظة، وإعادة رسملة توزيعات الأرباح، والمبيعات المنظمة مع عوائد الأسهم أو المقابل المؤجل. وتوفر عمليات التخارج غير النقدية درجة كبيرة من المرونة، لكنها تتطلب هيكلة دقيقة لضمان مواءمة المصالح والحفاظ على قيمة الأصول.
ومن غير المرجح أن تعود بيئة تخارج الأصول الخاصة إلى طبيعتها في المدى القريب. لذا، بات من الضروري للمديرين تبني المرونة والشفافية والابتكار لمواجهة هذا الواقع الجديد. سواء عبر صناديق الاستمرارية، أو عمليات التخارج الهيكلية، أو الشراكات الإقليمية، يظل الهدف واحدًا: الحفاظ على القيمة وتوفير السيولة في عالم أصبح فيه كلاهما أكثر ندرة وصعوبة.
في سبتمبر 2024، قامت شركة ألفا ظبي القابضة بتخارج حصتها البالغة 11% في أعمال الميثانول العالمية التابعة لشركة أو سي آي، عقب استحواذ شركة ميثانكس على هذه الأعمال. وقد تم بيع أعمال الميثانول التابعة لشركة أو سي آي مقابل 2.05 مليار دولار أمريكي، في صفقة جمعت بين النقد وأسهم ميثانكس، حيث حصلت ألفا ظبي القابضة على جزء من عائدات هذا الاستحواذ.
كما قامت ألفا ظبي القابضة بتخارج عدد من أصول الضيافة في مارس 2025، من خلال المساهمة بهذه الأصول بدلاً من الأسهم في المؤسسة الوطنية للسياحة والفنادق (NCTH). وأسفرت هذه الصفقة عن استحواذ ألفا ظبي القابضة على حصة مسيطرة تبلغ 73.3% من رأس مال المؤسسة المدفوع.
ويبرز الشرق الأوسط مرة أخرى كمنطقة تتسم بالاستقرار، حيث أصبح "الثبات الاقتصادي" شعارًا في الخليج، لا سيما في إطار قصة المرونة الاقتصادية على نطاق أوسع. ورغم التطورات الدولية المتسارعة، يظل الخليج محافظًا على مجموعة متكاملة من العوامل الداعمة، تشمل الأنظمة السياسية والاقتصادية والقانونية، إلى جانب تنوع صادراته ووفرة احتياطياته الرأسمالية. هذه المزايا تمنح المستثمرين الاطمئنان والقدرة على اتخاذ قرارات مستنيرة حتى في ظل تقلبات الأسواق العالمية.
